كاتب وباحث - محام بالنقض - مستشار قانوني بالمملكة العربية السعودية - دكتوراة في القانون جامعة القاهرة

إعلان الرئيسية

تأملات في فض الاشتباك بين الأدلة المتعارضة في النظام السعودي.

يعالج نظام الإثبات في المملكة العربية السعودية مسألة تعارض أدلة الإثبات بناءً على قواعد فقهية ونظامية صارمة، تهدف إلى تحقيق العدالة واستقرار الأحكام.

فالأصل عند تعارض الأدلة هو محاولة الجمع بينها إن أمكن، وإلا يتم اللجوء إلى الترجيح بناءً على القوة القانونية للدليل، ثم إسقاط الأدلة المتعارضة إذا تساوت في القوة وتعذر الجمع إستنادًا لنص المادة الرابعة من نظام الاثبات: "دون إخلال بأحكام هذا النظام، إذا تعارضت أدلة الإثبات ولم يمكن الجمع بينها فتأخذ المحكمة منها بحسب ما يترجح لها من ظروف الدعوى، فإن تعذر ذلك فلا تأخذ المحكمة بأي منها، وفي جميع الأحوال يجب عليها أن تبين أسباب ذلك في حكمها.

الشـــرح: عند تقديم الخصوم لأدلة متعارضة (مثل: تقديم مستندين رسميين متناقضين، أو تعارض شهادة الشهود مع أدلة رقمية)، وتتلخص في  المراحل الآتية:

1-   الجمع بين الأدلة (الأصل)

يلتزم القاضي أولاً بالبحث عن أي وسيلة نظامية أو واقعية للجمع بين الدليلين المتعارضين لإعمالهما معاً دون إهمال أحدهما، تطبيقاً للقاعدة الفقهية "إعمال الكلام أولى من إهماله

تطبيقاً لهذا المبدأ القضائي الهام (الجمع بين الأدلة)، إليك كيف يطبقه القاضي عملياً من خلال أمثلة واقعية:

في شهادة الشهود: إذا شهد شاهد بأنه رأى المتهم في مكان الواقعة الساعة 4 عصراً، وشهد شاهد آخر بأنه رآه في مكان آخر الساعة 5 عصراً. كيف يجمع القاضي؟.. يجمع بينهما بناءً على عامل الوقت والمظاهر الواقعية (إمكانية الانتقال بين المكانين خلال ساعة)، بدلاً من تكذيب أحد الشاهدين.

2-  الترجيح بناءً على ظروف الدعوى (عند تعذر الجمع)

 يلتزم القاضي بـالموازنة والترجيح بين الأدلة المتعارضة، حيث يستند القاضي في الترجيح إلى قرائن الأحوال، وقوة الدليل، والظروف المحيطة بالنزاع ليأخذ بالدليل الأقوى والأقرب للحق والعدالة.

أمثلة عملية على الترجيح: تعارض العقود: إذا قدم المدعي عقد بيع عقار "عرفي" مكتوب بخط اليد، وقدم المدعى عليه "صك ملكية إلكتروني" رسمي صادر من كتابة العدل لنفس العقار. كيف يرجح القاضي؟ يرجح القاضي الصك الإلكتروني الرسمي لقوته النظامية وحجيته المطلقة في مواجهة الكافة، ويهدر العقد العرفي.

3- إسقاط الأدلة المتعارضة (عند تعذر الترجيح)

في حال تساوت الأدلة في القوة والدرجة تماماً وتعذر على القاضي ترجيح أحدهما على الآخر، فإن النتيجة النظامية هي تساقط الأدلة؛ أي لا تأخذ المحكمة بأي من الأدلة المتعارضة وتعتبرها كأن لم تكن، ويعود النزاع للحالة الأصلية (البراءة أو الأصل براءة الذمة( .

هذه المرحلة هي الملجأ الأخير للقاضي بموجب المادة الرابعة من نظام الإثبات السعودي. وتُعرف قانوناً وفقهياً بقاعدة "إذا تعارضت الأدلة وتساقطت، عُدنا إلى الأصل".

تعارض تقارير الخبرة الفنية: في قضية مقاولات، ندبت المحكمة خبيراً هندسياً فقرر أن العيب في المبنى بسبب سوء المصنعية من المقاول. فاعترض المقاول وطلب خبيراً آخر، فندبت المحكمة لجنة هندسية ثلاثية، وقررت اللجنة أن العيب بسبب سوء المواد التي ورّدها المالك نفسه، وتساوت التقارير في القوة العلمية والفنية ولم يترجح للقاضي أحدهما.

ولذلك تتساقط التقارير الفنية المتعارضة، ويعود القاضي للأصل (براءة ذمة المقاول من التعويض حتى يثبت العيب بيقين).

4- الالتزام بالتسبيب

اشترطت المادة في نهايتها شرطاً جوهرياً، وهو وجوب تسبيب الحكم. يتعين على القاضي أن يشرح بوضوح في أسباب حكمه كيف وازن بين الأدلة، ولماذا رجّح دليلاً على آخر، أو لماذا أسقط الأدلة جميعها، لكي يخضع الحكم لرقابة محكمة الاستئناف.

عندما يصدر القاضي حكماً في دعوى شهدت تعارضاً في الأدلة، لا يكفي أن يقول "وقد رجحت المحكمة الدليل الأول"، بل يجب أن يتضمن صك الحكم سلسلة منطقية واضحة تجيب على الأسئلة التالية:

في حال الجمع : ما هي التوليفة الواقعية أو النظامية التي استند إليها ليجعل الدليلين يعملان معاً دون تناقض؟

في حال الترجيح:  ما هي العوامل المحددة التي جعلت الدليل (أ) أقوى من الدليل (ب)؟ (هل هو التاريخ؟ هل هي الصفة الرسمية؟ هل هي قرائن الأحوال؟).

في حال الإسقاط:  كيف تساوت الأدلة تماماً؟ وما هي الأسباب التي جعلت ترجيح أحدها مستحيلاً لدرجة إسقاطها والعودة إلى الأصل (براءة الذمة)؟

وتكمن الأهمية النظامية للتسبيب (رقابة محكمة الاستئناف) في أنه يفتح الباب أمام محكمة الاستئناف لتمارس دورها الرقابي على أحكام محاكم الدرجة الأولى من خلال:

مراقبة التكييف القانوني:  التأكد من أن القاضي طبق المادة الرابعة تدرجاً (الجمع ثم الترجيح ثم الإسقاط) ولم يقفز مباشرة للإسقاط مثلاً.

مراقبة الاستخلاص المنطقي:  التحقق من أن النتائج التي وصل إليها القاضي مستمدة من أوراق الدعوى ومستنداتها المقبولة نظاماً.

بطلان الحكم لقصور التسبيب:  إذا خلو صك الحكم من بيان أسباب الترجيح أو الإسقاط، يصبح الحكم معيباً وقابلاً للنقض أمام محكمة الاستئناف لعلة "القصور في التسبيب.

وهنا تتضح السلطة التقديرية للقاضي في حل تعارض الأدلة ومدى ترسيخ التكامل بين الأدلة في نظام الإثبات السعودي.

د. محمد جلال عبد الرحمــن

كاتب وباحث، دكتوراة في القانون التجاري جامعة القاهرة، محام بالنقض ومستشار قانوني

بريد الكتروني: mdgalal@gmail.com

المستشار الدكتور/ محمد جلال

مستشار قانوني بالمملكة العربية السعودية - خبرة لمدة 17 عام بالأنظمة السعودية - دكتوراة في القانون كلية الحقوق جامعة القاهرة تقدير ممتاز  - محامي بالنقض - كاتب وباحث صدر له عدد من المؤلفات القانونية والأدبية- مستشار قانوني سابق بوزارة الشئون البلدية والقروية -  مستشار قانوني سابق لعدد من مكاتب المحاماة بالمملكة العربية السعودية- مستشار قانوني سابق بشركة الاتصالات السعوديـة.

للتواصل  واتس: 0567138002

حاصل على جائزة الدولة المصرية عن افضل كتاب في العلوم الرقمية سنة 2016 

كاتب وصدر له العديد من المؤلفات في القانون :

* موسوعة الجرائم الالكترونية في الفقه الاسلامي والقوانين نشرت بالمملكة العربية السعودية.

* كتاب لوائح اعتراضية باسباب الطعن بالاستئناف امام القضاء الجزائي السعودي بالمملكة العربية السعودية بمكتبات (الجزء الأول).

* كتاب لوائح اعتراضية باسباب الطعن بالاستئناف امام القضاء الجزائي السعودي بالمملكة العربية السعودية بمكتبات (الشقري - جرير - العبيكان) الجزء الثاني.

 * كتاب رفع الدعاوي امام القضاء السعودي على ضوء نظام المرافعات الشرعية ولوائحه التنفيذية الجزء الأول.

* التنظيم القانوني لإصدار وتداول الصكوك السيادية.

قاص صدر له عدد من المجموعات القصصية.

مجموعة قصصية بعنوان: "حنين"

مجموعة ققصية بعنوان: "كف مسمومة" 

مجموعة قصصية بعنوان: "القفز الى النهار"

مجموعة قصصية بعنوان: "اختفاء".

كتاب يسألونك يتضمن مقالاتي المنشورة في صحيفة الشروق وروزاليسوف.

مجموعة قصصية منشورة ومتاحة على موقع امازون بعنوان Apoisoned Hand. 

للمتابىعة - معـرف X 

@mohamedjalal84

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق